logo

لماذا تخشى تل أبيب الاتفاق أكثر من طهران؟ قراءة في حسابات الذعر السياسي الإسرائيلي

ايران اسرائيل.jpeg
ايران اسرائيل.jpeg

بقلم: مصطفى إبراهيم

تكشف ردود الفعل الإسرائيلية المتصاعدة تجاه الاتفاق المتبلور بين واشنطن وطهران أن الخلاف الحقيقي لا يدور حول بنود تقنية أو تفاصيل نووية مجردة، بل يتمحور حول مستقبل التوازنات الإقليمية وموقع إسرائيل فيها، حيث يرتفع منسوب القلق والتصعيد كلما اقتربت لحظة التفاهم لرسم ملامح الشرق الأوسط الجديد.

وتتجلى النقطة الأبرز في هذا المشهد بحالة الذعر السياسي والإعلامي التي أحدثها مجرد الحديث عن اتفاق إطار بين الطرفين، فلو كان الأمر يتعلق بخلافات يمكن احتواؤها، لما شهدنا هذا المستوى من التصعيد الخطابي داخل اليمين الإسرائيلي، والتحذير من "خطر وجودي" و"خيانة أميركية" تستدعي الاعتماد على النفس.

ويرتبط هذا القلق الإسرائيلي بشكل وثيق بالسياسة الداخلية والانتخابات المقبلة، حيث يستعد بنيامين نتنياهو لمعركة انتخابية صعبة لا تتيح له رفاهية الوقوف متفرجاً بينما تُعاد صياغة الترتيبات الإقليمية، مما يحول أي تفاهم أميركي ـ إيراني إلى تهديد سياسي مباشر لشخصه، حتى لو تضمن قيوداً واسعة على برنامج طهران النووي.

من هنا تنبع نبرة الغضب غير المسبوقة في أوساط اليمين، والتي وصلت للمرة الأولى إلى توجيه انتقادات مباشرة وغير مباشرة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، حيث يصبح الهجوم على الإدارة الأميركية سلعة سياسية رائجة ومربحة في معسكر اليمين عندما تتعارض المصالح الحزبية الضيقة مع الرؤية الاستراتيجية لواشنطن.

في المقابل، تبدو المعارضة الإسرائيلية أكثر حذراً في تعاطيها مع الأزمة، فهي تواصل هجومها الشرس على نتنياهو لكنها تتجنب الصدام المباشر مع ترامب، وهو سلوك يفسره الشارع الإسرائيلي على أنه عجز عن مواجهة واشنطن، مما يمنح اليمين مساحة إضافية لتقديم نفسه بوصفه المدافع الوحيد عن الأمن القومي.

وفي هذا السياق، يصعب فصل الغارة الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت عن المناخ السياسي المحيط بالمفاوضات، فالعملية جاءت في ذروة الحديث عن اتفاق وشيك، وبعد إعلان ترامب أنه طلب من نتنياهو التوقف عن مهاجمة حزب الله منعاً لتضرر المسار التفاوضي، معبراً عن استيائه من السلوك الإسرائيلي.

لذلك، يبدو التفسير القائل إن استهداف الضاحية يتجاوز مجرد تثبيت قواعد الاشتباك تفسيراً منطقياً، فإسرائيل تدرك أن طهران تواجه معضلة حقيقية بين الرد والمخاطرة بنسف التفاهمات، أو الامتناع وتلقي ضربة لصورة ردعها، مما يجعل الهدف الإسرائيلي محاولة واضحة لاستدراج رد يعقد المسار التفاوضي ويعيد خلط الأوراق.

ويعزز هذا التقدير ما كشفه الإعلام الإسرائيلي من ارتباك داخل الإدارة الأميركية، فبينما انتقد ترامب الهجوم علناً وحمّل إسرائيل مسؤولية تعقيد التفاوض، أشاد وزير الحرب بالرد واعتبره منضبطاً، لتكثف الخارجية ضغوطها على طهران منعاً لرد ينسف التفاهمات، في محاولة للجمع بين حماية إسرائيل وإنجاز الاتفاق.

ومن هذه الزاوية، تبدو الضربة إحراجاً لواشنطن أكثر منها لطهران، لأنها وضعت الإدارة الأميركية أمام مهمة مزدوجة لضبط الطرفين، حيث يظهر الخلاف مع نتنياهو متعلقاً بالهدف نفسه، فبينما يرى ترامب في الاتفاق إنجازاً يمنع تحول إيران لقوة نووية، يتعامل معه نتنياهو كتهديد سياسي واستراتيجي يجب تعطيله.

وتكشف تصريحات المقربين من نتنياهو أن جوهر الاعتراض الإسرائيلي يتعلق بفلسفة التسوية نفسها، فالخطاب اليميني السائد يرى في إيران مشروعاً تقويضياً لا خصماً يمكن مهادنته، معتبراً أي اتفاق لا يضمن إخراج اليورانيوم المخصب بالكامل اتفاقاً ناقصاً، ومؤكداً أن تل أبيب تحتفظ بحق التصرف المنفرد لحماية أمنها.

رغم ذلك، لا تزال الصورة الإقليمية ضبابية، فإيران لم تحسم موقفها النهائي بعد، وقد تكون تسريباتها حول بنود الاتفاق مجرد مناورة لتحسين شروط التفاوض، وفي المقابل، لا يبدو ترامب مستعداً للتخلي بسهولة عن اتفاق يعتبره إنجازاً سياسياً كبيراً يسجل باسمه في لحظة تاريخية حساسة داخلياً وخارجياً.

لهذا السبب، تبدو ردود الفعل الإسرائيلية متضخمة وأكبر من حجم التفاصيل المعلنة، فالمعركة بالنسبة لنتنياهو تتجاوز الملف النووي لتطال شكل النظام الإقليمي ومكانة إسرائيل فيه، وقدرته على تسويق نفسه كقائد وحيد قادر على منع الأخطاء التاريخية، والإجابة عن سؤال: من يرسم القواعد المقبلة، واشنطن أم تل أبيب؟

إن الساعات والأيام القادمة لن تحدد فقط مصير الاتفاق الأميركي ـ الإيراني، بل ستكشف إن كانت إسرائيل ستتكيف مع الواقع الجديد، أم أنها ستواصل الهروب نحو التصعيد العسكري لاستدعاء أزمة تؤجل لحظة التفاهم، ليبقى احتمال الرد الإيراني هو العامل الحاسم والوحيد القادر على نقل المنطقة للمواجهة الشاملة.