بقلم / علاء أبو عامر: تشكل شخصية "ملكي صادق" أحد أكثر الألغاز إثارة للجدل في حقول الفكر الديني والنقد التاريخي على حد سواء. فبين سطور العهدين القديم والجديد، وصفحات التلمود، يظهر هذا الاسم كشهاب خاطف يضيء النص فجأة ثم يختفي دون مقدمات، تاركاً خلفه تساؤلاً جوهرياً: هل كان ملكاً تاريخياً لمدينة أرضية، أم رمزاً روحياً مجرداً وظّفته السرديات التاريخية في صياغة الهويات والصراع على شرعية الأرض وعمقها الزمني؟
1. في النص التوراتي والجدلية الكنعانية: أسبقية الوجود
يأتي الظهور الأول لملكي صادق في سفر التكوين (الإصحاح 14) كملك لمدينة "شاليم" وكاهن لـ "الله العلي"، حيث استقبل النبي إبراهيم بالخبز والخمر وباركه. وتكتسب هذه الرواية أبعاداً هامة في الفكر النقدي التاريخي عبر نقطتين:
تفكيك السردية الإقصائية: تؤكد الرواية أسبقية الوجود الكنعاني واليبوسي لمدينة القدس (أوروساليم) قبل قرون من الوجود العبراني؛ فالنظام السياسي والمدني والديني كان مستقراً، والبركة أُعطيت من صاحب الأرض الأصلي (الكنعاني) للوافد الجديد (إبراهيم).
دحض الأحادية الجغرافية: يُثبت النص أن القدس لم تبدأ كمدينة يهودية الخصوصية، بل كحاضرة كنعانية تحتفي بإله السلام "شالم".
2. التحول اللاهوتي في العهد الجديد: من الجغرافيا إلى الروح المجرّدة
في "الرسالة إلى العبرانيين"، أحدث الفكر البولي قفزة نوعية بنقله الشخصية من أبعادها الزمنية والسياسية إلى فضاء لاهوتي محض، حيث جرى تفكيك الاسم لغوياً:
"ملكي صادق" يعني ملك البر، و"ملك شاليم" يعني ملك السلام.
وبوصفه شخصية "بلا أب، بلا أم، بلا نسب، لا بداءة أيام له ولا نهاية حياة"، تحول ملكي صادق إلى نموذج روحي سابق للمسيح، ونُقلت "ساليم" من بقعة جغرافية على الخارطة إلى صفة روحية عالمية تتجاوز مفهوم "الوطن القومي" الضيق إلى الملكوت الإنساني الشامل.
3. الصمت الأركيولوجي ومأزق "علم الآثار التوراتي"
رغم الحضور الطاغي لملكي صادق في الوجدان الديني، فإن علم الآثار يقف صامتاً تماماً أمامه؛ إذ لم تعثر الحفريات أو نصوص الشرق الأدنى القديم (كرسائل تل العمارنة أو أوغاريت) على أي أثر لملك يحمل هذا الاسم. هذا الغياب يعزز فرضية نقاد التاريخ بأن الشخصية صياغة أدبية متأخرة صيغت في العصر الحديدي الثاني لإضفاء شرعية على القدس، ويكشف في الوقت ذاته مأزق "علم الآثار التوراتي" الذي توظفه الحركة الصهيونية عبر آليتين:
القراءة الانتقائية: عزل وطمس الطبقات الحضارية الكثيفة (الكنعانية، الرومانية، الإسلامية) للتركيز فقط على ما يخدم الرواية الاستيطانية.
تحويل الرمز إلى طابو عقاري: تحويل المدونات الأدبية والدينية التفاعلية مع محيطها الكنعاني إلى صكوك ملكية سياسية حصرية.
4. التحوير التلمودي والمدراشي: أدوات الأسطرة
لم يقف الفكر الحاخامي اليهودي محايداً أمام شخصية كادت تسرق بركة الكهنوت والشرعية من سلالة إبراهيم، فسعى إلى تحوير هويتها عبر مسارين:
التلمود البابلي: جرى دمج شخصيته بشخصية "سام بن نوح" باعتباره الجد الأكبر العابر للأزمان، لتصبح عملية المباركة انتقالاً شرعياً داخلياً للكهنوت وليس اعترافاً بسيادة ملك كنعاني "غريب".
مخطوطات قمران: جرت أسطرته بالكامل ليظهر ككائن سماوي وملاك ديّان يظهر في آخر الأيام لتحقيق الخلاص وتدمير قوى الظلام.
الخلاصة: تفكيك الخطاب من داخله
لا تكمن أهمية ملكي صادق اليوم في إثبات وجوده المادي بنقش حجري، بل في آليات صناعة الذاكرة؛ فحين يستحضر المؤرخون الفلسطينيون والعرب هذه الشخصية، فإنهم يمارسون "تفكيكاً للخطاب الأيديولوجي الصهيوني من داخله". فإذا كانت التوراة هي المستند الأساسي للاحتلال، فإن هذا المستند ذاته ينطق بأن القدس كانت عامرة وموحدة وذات سيادة كنعانية قبل الرواية العبرانية بقرون. يظل ملكي صادق "الفراغ المكتمل" الذي يسقط عليه المفسرون تصوراتهم، والشاهد الصامت على أن فلسطين لم تكن يوماً "أرضاً بلا شعب"، بل ملتقى للحضارات وأرضاً لصاحبها الأصيل.
